مما لا شك فيه ان من طبيعة الانسان وفطرته، اعتداده بنفسه والرضى عنها ، فلا استقرار ولا راحة لديه ما لم يتحقق له ذلك ، ومن هنا تجده يحاول دائما اظهار اجمل ما لديه من خصال ، تماما كعادته بالتستر على ما يظنها عيوبا تخدش جمال صورته أمام نفسه والآخرين. 
ومن هنا وكرد فعل طبيعي ، يحاول البخيل على سبيل المثال لا الحصر ،اظهار شيم الكرم لديه ، لدرجة يبالغ معها بالاسراف والتبذير في المواقف المعلنة ،، ليبدو للاخرين كريما ومعطاءا .

ولا يتوقف الامر عند حالة بعينها ، ولا سلوك دون غيره ،، فنجد الجبان كذلك يستعرض شجاعته، والمهزوم يتباهى بانتصاراته ، وقد بالغنا في الامر لدرجة اصبحت فيها هذه الحالة سلوكا اجتماعيا عاما اخرجنا من الشعور بالواقع البائس الى نشوة زائفة، جعلتنا نصور الضحايا و المظلومين منا قادة وابطال ، مهدرين بذلك حقنا بالاقتصاص من الظالم، ومسلمين للقاتل شهادة براءة تخلصه من حمل عبء الجريمة التي ارتكبها .

ليس الامر وليد اللحظة ، ولا هو بعارض مستحدث على عاداتنا وتقاليدنا ، بل تمتد جذوره عميقة في الموروث الثقافي والاجتماعي لدى سائر المجتمعات التي ترفض الاعتراف بمشكلاتها ، وتحاول الظهور دائما بمظهر الكامل الذي لا عيب فيه ، فنجد رواياتنا الشعبية والتاريخية ، تزخر بكل صور ملاحم الانتصارات و البطولة واساطير الماضي العريق ، تماما حالنا اليوم ، امة غارقة بالدماء ، ضحاياها يعدون بعشرات ، بل وبمئات الالوف ،وملايين المشردين ، فيما نتباهى جميعا ويتراقص كل منا ، فرحا بنشوة الانتصار وايقاع الأذى بالاخر.

لم يتوقف الامر عند هذا الحد ... بل تعداه الى اخص الخصوصيات المرتبطة بقيم المجتمع وعاداته وتراثه الشعبي ، فخرجت علينا مؤخرا احدى وسائل الاعلام التي يفترض انها تمثل منبرا هاما من منابر التعليم والثقافة في مجتمعنا ، بحدوثة غير مألوفة ، ولا تنسجم مع عادات المجتمع المحلي ولا تقاليده ، ليظهر على احد برامج البث المباشر ، شاب متحمس ، يتقدم بطلب الارتباط من احدى مذيعاتها ( على سنة الله ورسوله ) و على الملأ , مزمجرا بكل عبارات الغزل والوفاء ، راجيا منها الاجابة ... وبين اخذ ورد وهرولة وورد اجابته ملكة قلبه بالقبول والدموع .. والاحتضان والشموع وتطبيل العاملين ، الذين بالغوا بابداء انبهارهم بهذا الحب العظيم الذي دفع العاشق البطل لان يتقدم لخطبة محبوبته على مرأى ومسمع الجميع ..

 انتقد البعض هذا السلوك واعتبره خروجا على العادات والتقاليد التي تعتبر ان تهميش دور الاسرة وتغييبها هو تجاوز للقيم والعادات التي تنظم وتحكم علاقات الافراد وأسرهم ومحيطهم الاجتماعي ، وتجاوزا لاعراف المجتمع الذي يرفض فكرة ان تقوم فتاة بتزويج نفسها خارج اطار التقاليد المتعارف عليها ،أو دون رضى وموافقة أسرتها أولا ، لا بل ان الاسرة غابت أو غيبت عن المشهد تماما ، وكأن لا وجود لها.. في الوقت الذي دافع البعض الآخر عن هذا التصرف على قاعدة ان لكل انسان مطلق الحرية بابداء مشاعره والتعبير عنها ، .. وكان هذا الاختلاف في الرأي طبيعيا وبحدوده الدنيا .. الى ان تبين للجميع ان كل الذي جرى ما هو الا تمثلية مصطنعه ومراسيم مرسومة خيوطها مسبقا .. وأن كل الذي رأيناه واختلفنا عليه ، مجرد مشهد مسرحي كان بطله المخرج ليس الا ، فالشاب والفتاة مخطوبان منذ مدة وهي زوجته بحكم الشرع والقانون ، وان ما بدى وكأنه خطبة وارتباط عبر البرنامج ليس الا خديعة وضحك على الذقون .

 لم يكن دافعي للحديث عن الموضوع اهمية فيه ، فحتى لو سلمنا انه لم يكن مشهدا تمثيبيا باهتا ، لم يتجاوز كونه مجرد مشاعر خاصة ، عادة ما تكون اقصى حدود التعبير عنها اسرتي الطرفين او محيطهما .. ولست بوارد تخليد صورة البطولة المصطنعة التي لو كانت فعلا حقيقيا لقلنا هذا امر يتعلق بمن قام به وباسرته ويتحمل نتائجه ايا كانت بايجابياتها وسلبياتها و لكل امر وجهان ...ولكن الذي دفعني للحديث حوله، تلك الطريقة الرخيصة ، التي تجعل من مؤسسة ثقافية وتربوية تستخدم الحياة الخاصة لاحدى العاملات بها لتحقق ربما اهدافا ابعد ما تكون عن دورها المناط بها ، ولكن من جهة اخرى لا ادري هل ان ما بدى وكأنها مفاجأة ، كانت مدفوعة الثمن ؟ ، ام كان الثمن فقط للجهد والعرق الذي بذله العاشق وهو يهرول بين ممرات المؤسسة وادراجها بحثا عن مكان حبيبته بشكل يبدو فيه متشوقا للقاء محبوبته ليخبرها برغبته الزواج منها وكانما لم يلتقيا من قبل ؟ !!

ان من ابرز مهام المؤسسات الثقافية والتربوية وأولى اولوياتها في كل اقطار العالم ، القيام بواجب الدفاع عن ثقافة وقيم وتراث شعوبها والحفاظ عليها،والذود عنها وحمايتها من كل ما قد يهدد بقاءها ، الا عندنا نحن العرب ،فالامر يسير بالاتجاه المخالف تماما .. 
 كم كنا سنسعد لو ان هذه المؤسسة المحترمة قامت برعاية حفل زفاف او خطوبة او اية مناسبة اجتماعية كانت ، على طريقة ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا ،
 لا ان تعمل على عكس ذلك بتقديم نموذج غريب على المجتمع ، تدفع به الشباب وتشجعهم على القيام بما يخالف عادات ابائهم وأجدادهم ، وكأننا بحاجة للمزيد من مظاهر التمرد والخروج على قيم المجتمع !
ربما أخطأ العاشقان بهذا التصرف وربما أصابا ، ربما سيندمان على ما بدى منهما للعلن، و ربما نحن من سنندم على استمرارنا بالتمسك بعادات الآباء والأجداد ، ولكن يبقى السؤال العالق الذي لم نجد له اجابة ، ما هو الهدف التربوي والثقافي و الاجتماعي الذي حققته تلك المؤسسة من وراء هذه المشهد المصطنع ؟ .